قالت صحيفة "معاريف" العبرية، إن انهيار عائدات قناة السويس وواردات الغاز الطبيعي المسال الطارئة أضعف مصر كلاعب إقليمي، بعدما باتت تعتمد بشكل متزايد على الحماية والدعم الخارجي بدلاً من قدرتها على ترسيخ الأمن.
وأضافت الصحيفة: "لعقود طويلة، كان المبدأ الذي لا جدال فيه في بنية الأمن الغربي في شرق المتوسط هو أهمية مصر القصوى. فمنذ اتفاقيات كامب ديفيد وحتى الحرب العالمية على الإرهاب، استغلت القاهرة كثافتها السكانية وموقعها الجغرافي لتسويق نفسها كحصن منيع ضد زعزعة الاستقرار الإقليمي".
وأوضحت: "سمحت هذه الرواية لمصر بالحصول على مليارات الدولارات من عمليات الإنقاذ الدولية والتمويل العسكري الأجنبي رفيع المستوى. إلا أن الأزمات الأخيرة اختبرت هذا الافتراض، وكشفت عن تباين حاد بين القيمة الاستراتيجية المتصورة لمصر وقدرتها السيادية الفعلية".
ورأت الصحيفة أن الانهيار الكمي لإيرادات قناة السويس، والطلب الطارئ لعشرين شحنة من الغاز الطبيعي المسال يكشف عن خلل هيكلي يهدد التحالف المتوسطي الأوسع. بينما تشهد مصر تحولاً سريعًا من عامل استقرار إقليمي إلى عبء نظامي.
انهيار الردع في مجال النقل
وفقًا للتحليل الذي كتبه أمين أيوب، زميل منتدى الشرق الأوسط، فإن مكانة مصر الجيوسياسية في الشرق الأوسط تتحدد بشكل متزايد من خلال قوة البنية التحتية وأهمية نقل الطاقة. وتُعد قناة السويس أهم أصولها الاستراتيجية. ومع ذلك، لا تُعتبر أهمية النقل ميزة جيوسياسية إلا إذا امتلكت الدولة القدرة العسكرية السيادية على حمايتها.
وأشار إلى الحصار الذي فرضه الحوثيون المدعومون من إيران على مضيق باب المندب نجح في تجاوز الجيش المصري المدعوم بسخاء. لافتًا إلى أنه رغم امتلاك القاهرة لأفضل أسطول بحري تجهيزًا في العالم العربي، إلا أنها تتبنى موقفًا من السلبية الاستراتيجية الصارمة، متخليةً عن المخاطر المادية والتكاليف المالية للردع البحري بالكامل للولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل.
ورصد التحليل التراجع في عوائد قناة السويس، والتي انخفضت إيراداتها من مستوى تاريخي بلغ 10.25 مليار دولار في عام 2023 إلى 3.99 مليار دولار في عام 2024، أي بانخفاض قدره 61% على أساس سنوي. ومع استمرار النزيف المالي في دورة 2024/2025، تسبب حصار الحوثيين في عجزٍ هائلٍ في ميزانية مصر بلغ 10 مليارات دولار.
ووصف أيوب هذا الأمر بالفشل الذريع في قدرة الدولة على بسط نفوذها السيادي، قائلاً: "لا يمكن الاعتماد على دولة عاجزة عن تأمين شريانها الاقتصادي الرئيس في ترسيخ الأمن البحري الإقليمي".
العجز في مجال الطاقة
وعزا التحليل هذا العجز الاستراتيجي إلى أنه يمتد مباشرةً إلى قطاع الطاقة في القاهرة الذي يحظى بترويج مكثف، إذ إن الحاجة المُذلة لاستيراد 20 شحنة طارئة من الغاز الطبيعي المسال هذا الشهر في سوق الغاز الفوري المتقلبة تُقوّض طموح مصر في أن تكون مركز الطاقة الرئيس في شرق المتوسط.
وفي أعقاب نقص الاستثمار المزمن والاستنزاف السريع للإنتاج المحلي في حقل ظهر الرئيس، يعتمد وضع مصر بشكل كامل تقريبًا على معالجة وإعادة تصدير الغاز الطبيعي الإسرائيلي.
وقال إنه عندما يعرقل الصراع الإقليمي تدفقات الطاقة من حقلي تمار وليفياثان، أو عندما ترتفع الطلب المحلي بشكل حاد في فصل الصيف، تلجأ مصر فورًا إلى أعطال هيكلية في شبكة الكهرباء.
وفي إشارة سخريىة من مصر، علق الكاتب: القائد الإقليمي الحقيقي هو من يحدد تدفقات الطاقة، لا أن يكون رهينة لها".
وأضاف: "وباعتمادها المفرط على واردات الغاز الإسرائيلي لمجرد تجنب انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة، تعمل مصر حاليًا كمستهلك صافٍ للأمن الإسرائيلي بدلاً من أن تكون شريكًا يوفر الاستقرار المتبادل".
اقتصاد عسكري ريعي
وعزا التحليل سبب بقاء دولة يبلغ تعداد سكانها 110 ملايين نسمة عرضةً للصدمات الخارجية، إلى ما أسماه "عمل المجمع الصناعي العسكري المصري كنظام مغلق"، فمن خلال هيمنته على قطاعات تتراوح من الزراعة المدنية إلى البنية التحتية الضخمة، يُزاحم الجهاز العسكري المشاريع الخاصة، ويُثني الاستثمار الأجنبي المباشر، ويُقوّض القدرة الاقتصادية المدنية على الصمود، بحسب قوله.
وقال: "يعتمد هذا النموذج على دورة ريعية طفيلية. يستغل النظام التهديد الضمني بانهياره الداخلي لانتزاع دعم مالي مستمر من ممالك الخليج وصندوق النقد الدولي والعواصم الغربية".
وتابع في هذا الإطار: "تستهلك الدولة ثروة الأمة للحفاظ على بقاء النظام الداخلي وتهدئة طبقة الضباط، مما يجعل الخزانة مستنزفة للغاية بحيث لا تستطيع تحديث اقتصادها أو بسط قوتها العسكرية في الخارج".
والنتيجة كما يصفها هي "دولة ريعية جوفاء تتطلب إعانات خارجية مستمرة بينما تقدم عوائد متناقصة في مجال الأمن الإقليمي"، بحسب التحليل.
إعادة تقييم استراتيجية لواشنطن وتل أبيب
وقالت "معاريف" إن هذا الضعف الهيكلي يشكل تهديدًا مباشرًا لبنية اتفاقيات أبراهام المتنامية والأمن المتوسطي، فعلى مدى عقود، دعمت واشنطن وتل أبيب هذه البنية انطلاقًا من مبدأ أن القاهرة "أكبر من أن تُترك لتنهار"، متحملتين عجزًا هائلاً خوفًا من عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى الظهور على الحدود الجنوبية لإسرائيل.
إلا أن التمسك بأسطورة استحالة وجود مصر ينطوي على تكلفة استراتيجية باهظة لا يمكن تحملها. فالغرب وحلفاؤه الإقليميون عالقون في حلقة مفرغة، يدعمون باستمرار دولة عاجزة عن تأمين حدودها البحرية، أو إدارة شبكة الطاقة المحلية، أو فرض رادع حقيقي على محور المقاومة الإيراني، كما يذهب التحليل.
https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/hk0j00u009zx

